ملفات ساخنة

الأسواق الشعبية.. ‘‘أصحابها‘‘ سر نجاحها و‘‘الإدارة‘‘ تفشلها

الملف الاخباري –   يحمل محمود أبو العرايس -الذي تجاوز السبعين- في ذاكرته سيرة كاملة للأسواق الشعبية في عمان، وقد أصبح خبيرا فيها، وهو يرأس اللجنة المشرفة على الأسواق منذ نشأتها في العام 1990، بعد ثلاث سنوات من إقامة أول سوق شعبي في العاصمة.
إن السيرة العملية لأبو العرايس المولود العام 1946، طويلة وغنية بالخبرات، وقد أحصى 33 موقع عمل اشتغل فيها خلال حياته في العديد من المجالات ذات الصلة بالقطاع غير الرسمي، قبل أن يستقر به المقام في الأسواق الشعبية.
وهي سيرة كوّنت لدية خبرة في ما يعرف بهذا القطاع، حيث يخلق الناس فرص عملهم بأيديهم، بعيدا عن القطاع الرسمي، بشقيه العام والخاص، وهو الآن يمتلك خبرة عملية تمتد لعقود في محلات من الصنف ذاته تقريبا، فقد دخل إلى عالم البيع على البسطات منذ العام 1959 عندما كان فتى، وما يزال، ثم أنه نقل “الصنعة” لأبنائه.
دخل العام 1987 أبو العرايس إلى عالم الأسواق الشعبية “المنظمة”، وما يزال فيه لغاية الآن، وهو يتذكر باعة البسطات آنذاك، الذين كانوا حوالي ثلاثين بائعا، فعرضوا معا أمر إقامة سوق شعبي، وتقدموا بالفكرة إلى مسؤولي أمانة عمان الذين وافقوا عليها، وأقيم أول سوق شعبي منَظّم في عمان في منطقة ماركا الشمالية، وسُمّي “سوق الأحد” وكان موقعه قرب دوار المطار.
أما السوق الثاني، فكان قرب الدوار الثالث في جبل عمان، وسُمّي “سوق الخميس”، ثم تأسس سوق العبدلي، الذي سُمّي سوق الاثنين، ثم سُمح لهم بيوم آخر، وهو الأربعاء في المكان نفسه، وسُمّي “سوق الأربعاء”، وكان مكانه في الموقع الذي يشغله الآن أحد مباني الاتصالات في الجزء الشمالي من منطقة مجّمع العبدلي للنقل، وذلك قبل أن يمتد على كامل مساحة مجمع العبدلي للنقل، وقبل أن يلغى السوق نهائيا ويرحل قسرا منذ عامين إلى منطقة المهاجرين وسط عمان.
قصة قرارات مرتجلة
خلال أكثر من ربع قرن من عمر الأسواق الشعبية، أقيم 46 سوقا في مناطق مختلفة شملت عمان وسحاب والجيزة وصويلح ومواقع أخرى، بعضها أُغلق وبعضها ما يزال قائما، غير أن الملاحظ عموما أن قيام الباعة أنفسهم باختيار موقع السوق يكون في العادة موفقا، بينما لم يحالف النجاح عددا من المواقع التي كان اختيارها مكتبيا بعيدا عن معرفة واقع المنطقة وحركة السكان فيها.
إذ عادة ما يعتقد صاحب القرار أن خبرته العلمية وتخصصه الأكاديمي ومركزه الوظيفي، عناصر تكفي لاتخاذ القرار الصائب، ولا ينظر إلى التجربة العملية للناس الذين تمسهم قراراته.
وفي كثير من هذه الحالات ونظرا للخصوصية العالية للفقراء في كل موقع، فإن القرار قد لا يكون صائبا، وحينها يتحمل صاحب القرار (الجهة ذات العلاقة) الكثير من الجهد والمال والتكلفة الإدارية الزائدة.
القصة التالية تمتد على حوالي عقدين من الزمن، وتتناول سيرة أحد الأسواق، من خلال تتبع مجموعة من القرارات الإدارية غير الموفقة التي اتخذت تباعا، في حين كانت استشارة واحدة لذوي العلاقة المباشرة تكفي لتوفير الجهد والمال.  تتعلق القصة بأحد الأسواق الشعبية التي أقامها الباعة بمبادرة ذاتية في ضاحية الأمير حسن، قرب مسجد اليرموك، واستمر لسنوات وكان يعتبر سوقا ناجحا.
وبعد إنشاء أحد المولات الكبيرة في موقع مقابل للسوق، أجبرت أمانة عمان الباعة على مغادرة الموقع، وقد استجاب الباعة، ونقلوا بسطاتهم إلى موقع آخر قريب نسبيّا، اختاروه بعناية وخبرة.
الموقع الجديد كان ساحة تقع في شارع الأقصى، وبالقرب من أحد المساجد الكبيرة، وسرعان ما نما السوق، وأصبح من أكثر الأسواق الشعبية، شعبية.
غير أن الأمانة “رأت”، أن هذا الموقع غير مناسب لإقامة سوق شعبي، وخاضت مع الباعة صراعا امتد عدة أسابيع، كانوا فيها يردّون على كل حجة تقدمها الأمانة، إلى أن فوجئوا ذات صباح بجرافات وآليات الأمانة تقوم بتجريف المنطقة، والحيلولة دون ممارسة البيع فيها.
ولكن الأمانة كانت قد عمّمت على الناس والإعلام، أنها أنشأت موقعا بديلا مجهزا يقع في عمق الهاشمي الشمالي، وقالت إنها اختارته بعناية حيث الكثافة السكانية.
بشهادة شبكة مواسير معدنية
وبالفعل، أقامت الأمانة هياكل معدنية منتظمة ومغطاة وذات ألوان زاهية، وأحيطت بسور من الأسلاك، ووزّعت المساحة على الباعة بشكل منظم.
غير أن الباعة بحكم خبرتهم كانوا يعرفون أن المكان غير مناسب، وأنه كسوق شعبي سيفشل، فضلا عن أنه لا يستوعب إلا عددا محدودا من البسطات لا يتجاوز الستين، في حين كان السوق القديم يضمّ مئات البائعين.
مع هذا استجاب بعض الباعة وجلبوا بضاعتهم إلى السوق الجديد، واستمر الأمر عدة أسابيع ثم بدأ ينهار تدريجيا، واليوم ما تزال أطلال السوق قائمة على شكل شبكة من المواسير (انظر الصورة التي التقطت يوم أمس 30 أيلول). لقد انتهى السوق “الحضاري” وأغلق من دون قرار معلن، ومن غير المعروف إن كان أحد ما سأل صاحب القرار بإقامة هذا السوق عن فشله، أو إن تمت مناقشة المسؤولية عن عشرات ألوف الدنانير التي أهدرت.
في هذه الأثناء كان الباعة يؤسسون نواة لسوق شعبي آخر ناجح من اختيارهم ويقع في المنطقة نفسها، على مدخل مسجد مستشفى حمزة في الهاشمي الشمالي، ثم يتخذ قرار جديد بإزالة السوق (أنظر الصورة قبل الإزالة)، ويحتاج الأمر لأشهر حتى يعود الباعة تدريجيا وهم مستمرون للآن بصورة أقل ترتيبا بسبب البعثرة التي تسببت بها الإزالة، مقدمين نموذجا جديدا على المرونة العالية التي يتمتع بها القطاع غير الرسمي عموماً.
استثمار شعبي أمثل للموارد
وفق أبو العرايس، يوزع العاملون في الأسواق أيام عملهم على المواقع التي تقام على مدار الأسبوع في مواقع مختلفة من العاصمة، وهم يتقنون الاستثمار الحصيف لمواردهم البشرية (الأب والأبناء) والمادية، من حيث اختيار طبيعة السلع المتوقع أن تشهد طلبا باختلاف الفصول واختلاف الروّاد، وهناك تقليص للتكاليف بشكل محسوب جيدا.
أبو حسام بائع في هذه الأسواق يعمل مع ولديه في بيع الخضار والفواكه، في حين يعمل ابنه الثالث على بسطة أخرى في مخيم الحسين. أحد الأولاد يعمل باقي أيام الأسبوع “موسرجيا” ويأتي هنا لمساعدة الوالد يوم عطلته. ويقول الأب إنه يريد أن يعرف أبناؤه كيف يُحَصَّل الرزق.
أثناء العمل، يوجه الأب أبناءه إلى ما يراه مناسبا، فأحيانا يكون المطلوب إعادة ترتيب صنف خضار معين بحيث يكون جذابا، فيطلب الأب من ابنه أن يعيد توجيه كومة البطاطا، ويقول له مثلا: “علّيها”، وأحيانا يتعين المناداة بطريقة أكثر جاذبية للزبون: “الخمسة بليرة والكيلو بعشرين” بالنسبة للبصل، أما البطاطا فـ”الرطل بليرة”.
في هذا السوق يبدو الباعة فرادى مشتتين، لكنهم في الواقع يعرفون بعضهم البعض جيدا، فهم يتنقلون معا بين الأسواق، وأغلبهم مرّ بتجربة الانتقال بين المواقع.
في لحظات الذروة يعلو الصوت في السوق، وهو ما يضفي المزيد من البهجة والتسلية، أحدهم ينادي: “الثلاث بطيخات بليرة، خلّي الشعب يوكل”، بينما يعتلي آخر بسطته صائحاً: “خبر عاجل، الموز كيلو ونص بليره وعالذّواق وكُلْ مْسامَح”. إنه يحدد ظروف البيع من حيث السعر، ولكن التذوق المسبق مسموح وبالمجان.
إنهم يعرفون أن صوتهم غير مسموع عند صاحب القرار، وهذا أمر طبيعي، فالعاملون في هذا القطاع عموما يفتقدون لأية سُلطة، ولا يؤثرون في القرار الرسمي الذي يخصّهم، ولهذا يكتفون بالمراقبة لقرارات يدركون أنها خاطئه ويتمنّون لو أن أحدا يستشيرهم قبل اتخاذها.
يقول أبو العرايس: إن الأسواق الشعبية أصبحت اليوم متكاملة من حيث نوع البضاعة التي تُعرض فيها، وهي تفيد التاجر البسيط (البسّاط) كما تفيد المواطن، لأنها تقدم سلعة أقل ثمنا، غير أنه لفت الانتباه إلى أن الخروج إلى الأسواق الشعبية، تحوّل إلى عادة بالنسبة للكثيرين، وهو مفيد نفسيا للروّاد، وخاصة للنساء، اللواتي يَعتبِرن جولة التسوق في السوق الشعبي نوعاً من “الترفيه”.
يعمل اثنان من أولاد أبو العرايس على بسطات في الأسواق الشعبية، وينتقلون بين هذه الأسواق بحسب الأيام المخصصة لذلك، وهو يأمل بأن يكون قد قاد أسرته المكونة من عشرة أبناء وبنات، بنجاح.

تحمد خليل / الغد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق